ابو القاسم عبد الكريم القشيري
390
لطائف الإشارات
بسرّه ، والشرع يستدعى منه نهوض قلبه في طاعته ، والحقّ يقف سرّه عند شهود ما منه لمحبوبه تحت جريان قسمته « 1 » . قوله جل ذكره : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً إن طرأت عليك طوارق النسيان - لا بتعهدك - فجرّد بذكرك قصدك عن أوطان غفلتك . ويقال « وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ » : في الحقيقة نفسك تمنعك من استغراقك في شهود ذكرك . ويقال واذكر ربك إذا نسيت ذكرك لربّك : فإن العبد إذا كان ملاحظا لذكره كان ذلك آفة في ذكره « 2 » . ويقال واذكر ربك إذا نسيت حظّك منه . ويقال واذكر ربّك إذا نسيت غير ربّك . قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 25 ] وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ( 25 ) كانوا مأخوذين عنهم في إحساسهم بأنفسهم فلم يقفوا على تطاول مدتهم ، وفي المثل : « أيام السرور قصار » ، والدهور في السرور شهور ، والشهور في المحن دهور ، وفي معناه : أعدّ الليالي ليلة بعد ليلة * وقد كنت قبلا لا أعد اللياليا قوله جل ذكره : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 26 ] قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ( 26 )
--> ( 1 ) معنى هذه الفقرة انه قد يبدو في الظاهر أن للعبد إرادة في الامتثال للطاعة وفي إجراء أحكام الشريعة ، ولكن في الحقيقة أن الحق سبحانه يتولى تبرئته من حوله وإرادته ، وتهيئة سره للتجرد عن كل غير وسوى . ( 2 ) لأن أعلى درجات الذكر أن يفنى الذاكر في المذكور .